يتناول هذا المقال الأسباب التاريخية والنفسية والسياسية التي تجعل السلوك السياسي الكردي يميل إلى الدفاع والتردد على الساحتين الإقليمية والدولية. ويؤكد المقال أن الوقت قد حان للتحرر من عقلية "الضحية الدائمة" وممارسة سياسة قائمة على القوة، المصالح المشتركة، والانتزاع الذاتي للحقوق.
تدار السياسة في العالم المعاصر بلمنطق القوة، المصالح، والمبادرة. لكن عند التأمل في التجربة السياسية الكردية—سواء في العراق، سوريا، تركيا، أو إيران—نلاحظ نوعاً من التردد، الخجل، والتراجع المستمر في الخطاب والممارسة السياسية. يتحدث الكرد في كثير من الأحيان وكأنهم يعتذرون عن وجودهم أو عن المطالبة بحقوقهم الأساسية. فما أسباب ممارسة الكرد للسياسة بهذه العاطفة وهذا الخجل؟ أولاً: متلازمة الضحية (Victim Mentality) نتيجة لتاريخ طويل من الإبادات الجماعية، مثل عمليات الأنفال، القصف الكيمياوي، والخيانات الإقليمية والدولية المتكررة، أصيبت الحركة السياسية الكردية بنوع من "الصدمة النفسية الجمعية". وبدلاً من أن يتصرف الكرد كفاعل مستقل وقوي، يعرضون أنفسهم للعالم كـ "ضحية" تنتظر العطف والشفقة الدولية. إن ممارسة السياسة على أساس البكاء والتذكير بالمظلومية تجعل الأطراف الأخرى تنظر إليك كطرف ضعيف، لا كشريك صاحب إرادة. ثانياً: التشرذم الداخلي وغياب الأجندة الوطنية عندما تفتقر القوى السياسية الكردية إلى التماسك والانضباط الداخلي، فإنها تعجز عن التحدث بصوت واحد وقوي في الخارج. عندما يلجأ حزب كردي إلى دول الجوار للإضرار بحزب كردي آخر، فإنه يفقد القدرة على المطالبة بالسيادة والمكتسبات في المحافل الدولية بشرف وقوة. هذا الانقسام الداخلي هو السبب الرئيس في جعل الموقف الكردي في بغداد، أنقرة، طهران، ودمشق في حالة دفاع واستجداء دائمين. ثالثاً: الخوف المفرط من ردود أفعال القوى الإقليمية والدولية تعاني السياسة الكردية من "خوف تاريخي" دائم. الخوف من فقدان المكتسبات المحدودة جعل القيادات السياسية الكردية تسعى باستمرار لنيل رضا دول الجوار والقوى العظمى، حتى لو كان ذلك على حساب الحقوق القومية الأساسية. هذا الأسلوب المتردد جعل الآخرين يرسمون خطوطاً حمراء للكرد بسبل سهلة، دون أن يستطيع الكرد فرض خطوطهم الحمراء الخاصة. رابعاً: عقدة الحرمان من الدولة (Stateless Complex) أدى الحرمان من الدولة لقرون طويلة إلى نشوء عقدة نقص نفسية (Inferiority Complex) لدى صناع القرار الكرد. في كثير من الأحيان، ينظر الفاعل السياسي الكردي إلى نفسه بدرجة أقل من الشعوب الحاكمة بالمنطقة، مما يجعله يقدم تنازلات سريعة في المفاوضات ويرضى بالحد الأدنى من المكتسبات. خاتمة: الطريق إلى الحل إن ممارسة السياسة بتردد وخجل لم ولن تحقق الحقوق التاريخية. ولكي يحظى الكرد بالاحترام ويتعامل العالم معهم كطرف فاعل ومؤثر، يتوجب عليهم: ١. الانتقال من لغة "المناشدة والبكاء" إلى لغة "المصالح المشتركة والإرادة". ٢. ترتيب البيت الداخلي وصياغة استراتيجية وطنية جامعة تعلو فوق المصالح الحزبية الضيقة. ٣. التجاوز النفسي لمفهوم "الضحية"، وإعادة تقديم أنفسهم كقوة إقليمية مؤلفة قادرة على حماية مصالحها وفرض شروطها. لقد حان الوقت لكي يمارس الكرد السياسة بلا خجل، بشجاعة، وببلغة الحق والقوة.
هزری